Thursday, November 17, 2016

الإقتراض اللغوي وظاهرة التعريب


الباب الأول
الإطار العام

أ‌.       خلفية البحث
إن انقراض الألفاظ وتحول دلتها لا يعدو أن يكون صورة من صور التغيرات المختلفة التي تطرأ على جميع الكائنات الحية، وعلى الأحوال الأخرى للأمم، نتيجة انفعالها بمختلف الأحداث. إن التبادل اللغوي أمر بديهي لايحتاج إلى دليل لوضوح الصلات الثقافية بين الأمم تاريخيا وذكر الكرملى[1] أن هذا التبادل سنة من سنن الحياة لاتخرج عليها لغة من الغات ونحو ذلك قال الدكتور ابراهيم أنيس[2]، وأضاف أن هذا الأمر موضع إجماع العلماء.
إن اللغات يأخد بعضها من بعض، فالظروف التي تطرأ في حياة الأمم تؤدي حتما إلى الاتصال والاحتكاك اللغوي ودخول كلمات جديدة إلى كل لغة من غيرها، وقد اصطلح علماء اللغة على هذه الظاهرة الأخيرة بالاقتراض اللغوي“Borrowing Language”[3]، والاقتراض لغة هو مصدر اقتراض يقترض اقتراضا . واقترضتُ منه أي أخذْتُ نه الفروض وأقترضه أي أعطاه قرضا. ويقال أقرضه المال أو غيره، والقرض ما تعطيه غيرك من مال أو نحوه على أن يرده إليك[4].
ويتضح من هذه التعارف أن الاقتراض اللغوي هو عملية أخد إحدى اللغات بعض العناصر اللغوية من لغة أخرى وتلك العناصر قد تكون أصواتا، أو كلمات أو صيغا.


ب‌. قضايا البحث
مؤسسًا على المسألة السابقة فى خلفية البحث فتكون قضايا البحث فيما يلي :
1.      ما هى ظاهرة التبادل اللغوي ؟
2.      ما هو الاقتراض اللغوي وطرقه ؟
3.      ما هو التعريب وصوره ؟


ج‌.   أهداف البحث
مؤسسًا على تحديد البحث فتكون أهداف البحث فيما يلي :
1.      لمفعرفة ظاهرة التبادل اللغوي
2.      لمفعرفة الاقتراض اللغوي وطرقه
3.      لمعرفة التعريب وصوره













الباب الثانى
الإطار النظري

أ‌.       ظاهرة التبادل اللغوي
إن انقراض الألفاظ وتحول دلتها لا يعدو أن يكون صورة من صور التغيرات المختلفة التي تطرأ على جميع الكائنات الحية، وعلى الأحوال الأخرى للأمم، نتيجة انفعالها بمختلف الأحداث. وسنجد ان من أبرز الأحداث  التي نتمخض عنها هذه التغيرات احتكاك الأمم بعضها ببعض، ذلك الذي يحدث في خلاله الأخذ والعطاء القائم على تبادل المنافع والحاجات، فتتأثر اللغة بهذا الأحتكاك تأثر غيرها من الأحوال الأخرى للأمم ويأخذ أثر هذا الأحتكاك أوضح صورة في مقايضة الألفاظ بين أسَر اللغات، أوفيما يسمى ظاهرة التبادل اللغوي.

إن التبادل اللغوي أمر بديهي لايحتاج إلى دليل لوضوح الصلات الثقافية بين الأمم تاريخيا وذكر الكرملى[5] أن هذا التبادل سنة من سنن الحياة لاتخرج عليها لغة من الغات ونحو ذلك قال الدكتور ابراهيم أنيس[6]، وأضاف أن هذا الأمر موضع إجماع العلماء. فلا يعيب اللغة إذن، اقتباس الألفاظ الأجنبية عنها، لأن مقدرة لغة ما على تمثل الكلام الأجنبي تعد ميزة خصيصة لها، إذا هي صاغته على أوزانها وأنزلته على أحكامها وجعلته جزءا لا يتجزا من عناصر التعير فيها[7].


ب‌.  مفهوم الاقتراض اللغوي
لايختلف اثنان في أن احتكاك الشعوب وتعايشها معا يؤثر في اللغات تتكلها قتتسرب الكلمات من لغة إلى أخرى، ويتناسب حجم ما يتسرب من لغة إلى غيرها من اللغات يناسب طرديا مع تاثير الشعب الذي يتكلم تلك اللغة على غيره من الشعوب التي تتعايش معه. وتتعدد أسباب احتكاك الشعوب التي تؤدي بدورها إلى احتكاك اللغات وتسريب الكلمات قيما بينها، فبالإضافة إلى الاكتساح والاحتلال والحراب، هناك الهجرة والتجارة وحركة الترجمة وانتشار الدين.
ودور التبادل التجاري فيما بين الأمم دور مشهود في انتقال الكلمات بين اللغات كما أن لاتنشار الدين تأثيرا في احتكاك اللغات لا يستهان به، فلغات الشعوب المسلمة في جنوب شرق اسيا بما بيما فيها إندونيسيا تحتوى على كلمات عربية تسربت إليها لحاجة أولئك المسلمون الدينية لها. ولم يمكن انتشار الإسلام في تلك المنطقة بسبب الحروب.
إن اللغات يأخد بعضها من بعض، فالظروف التي تطرأ في حياة الأمم تؤدي حتما إلى الاتصال والاحتكاك اللغوي ودخول كلمات جديدة إلى كل لغة من غيرها، وقد اصطلح علماء اللغة على هذه الظاهرة الأخيرة بالاقتراض اللغوي“Borrowing Language”[8]، والاقتراض لغة هو مصدر اقتراض يقترض اقتراضا . واقترضتُ منه أي أخذْتُ نه الفروض وأقترضه أي أعطاه قرضا. ويقال أقرضه المال أو غيره، والقرض ما تعطيه غيرك من مال أو نحوه على أن يرده إليك[9]. واما التعريف الاصطلاحي للأقتراض اللغوي عند بعض من تطرّقوا إلى هذه الظاهرة فهو إدخال أو استعارة ألفاظ أو غيرها من لغة ألى أخرى . وقد استعمل أهل اللغات لفظ الاقتراض Borrowing والنقل والاستعارة Emprunt والإدخال Innovation وأطقوا على الألفاظ المقترضة التي أضافوها إلى لغتهم Loan Woards، وأما العرب فقد أطاقوا على عملية نقل الألفاظ واستعارتها لفظ التعريب وعلى الألفاظ المقترضة الأافاظ المعرّبة.[10]
وجاء تعريفه في معجم المصطلحات العملية أنه إدخال عناصر من لغة ما إلى لغة أخرى أو من لهجة ما إلى لهجة أخرى سواء كانت تلك العناصر كلمات أو أصواتا أو ضيغا[11]. ويعرف هوجن (Haugen) بأنه محاولة نسخ صورة مماثلة لنمط لغوي لإحدى اللغات تعلم سابقا في لغة الأخرى، أو هو العملية التي تأخد فيها إحدى اللغات بعض العناصر اللغوية أخرى. وقد فرّق محمد علي الخولي بين التدخل اللغوي والأقتراض اللغوي إذ قال بأن الول هو تدخل لغة ما في اغة أخرى عند الفرد الذي يعرف كلتَا اللغتين واما الثني فهو استعمال المتكلم بلغة ماكلمة من لغة أخرى[12].
ويتضح من هذه التعارف أن الاقتراض اللغوي هو عملية أخد إحدى اللغات بعض العناصر اللغوية من لغة أخرى وتلك العناصر قد تكون أصواتا، أو كلمات أو صيغا، وقد قدم جسبرسن (Jesperson) تعريفا مبسطا للإقتراض حيث قال ليس الاقتراض اللغوي في الواقع إلا تقليدا يشبه تقليد الاطفال لحديث ابائهم إلا أنه تقليد للبعض لا للكل[13]. ولعل هذا التعريف جاء بناء لى إدراك جسبرسن بأن الكلمة المقترضة في لغة ما يحدث عليها في الغالب تطبيع لغوي كأن يتم تعديلها صوتيا  أو صرفيا لتنسجم مع قواعد اللغة المقترضية.

ومع ان هذا المصطلح قد جرى على ألسنة علماء اللغة بهذا المفهوم الا أن بعض الباحثين قد علّقوا عليه واعترضوا على تسمية تلك الكلمات المتدخلة في اللغة بالكلمات المقترضة أو لأجنبية  إذ لم تعد هذه الألفاظ غريبة عن اللغة الآخة طالما أنها قد جنستها واستوعبتها بشكل جعلهاجزءا لايتجزأ عن سائر مفرداتها المعجمعية. فيقول هوجن بصدد هذا الاقتراض "فالمجاز المتضمن في الكلمة اقتراض محال بالتأكيد طالما ان الاقترض يتم من غير موافقة المقترض (اللغة المعطية) أو حتى من غير علم أو إدراك به، وليس هناك إلزام للمقترض (اللغة الآخذة) بإرجاع ما اقترض فالعملية يمكن ان يطلق عليها التبنىّ[14]". وقد اقترح عون الشريف قاسم على إطلاق اسم الدخيل على هذا المصطلح[15].
        ومهما يكن من أمر فالاتراض اللغوي ظاهرة معروفة في اللغات على مدى العصور وتعد إحدى وسائن تنمية الثروة اللغوية وابتكار كلمات جديدة. فاللغات تتبادل التأثير فيما بينها، ويستعين بعضها بألفاظ البعض الآخر وأساليبه في سد حاجته من الكلمات والتعبيرات التي تعوزه والتي تصبح فيما بعد جزءا من تلك اللغات ،فيزداد بذالك ثراء اللغة الآخذة.
        والقتراض ظاهرة لغوية اجتماعية شائعة تكاد تطرد في معظم لغات العالم فإننا لانكاد نجد لغة تخلو من كم كبير من كلمات اللغات الأخرى بداخلها إذلم تكن هناك أمة منعزلة كلية عن سواها،والاحتكاك بالأمم الالأخرى يؤدي حتما إلى هذه الاستعارة وإن كان عدد كلماتها قد يتفاوت بصورة واضحة[16]. وقد أكد الدكتور إبراهيم أنيس على أن ها التبادل سنة من سنن الحياة لا تخرج عليها لغة من اللغات وقد حدث بين اللغات القديمة ولا يزال يحدث بين اللغات الحديثة وأن هذا لأمر مرضع إجماع العلماء[17].
واقتراض الألفاظ في اغلب حالاته يلجأ إليها فرد أوجماعة من اصحاب اللغة لعدم وجود مثل هذه المفردات في لغتهم ويعد من العمليات المستعملة في بناء كلمات جديدة. ولا يعني ذلك ضعف مكانة اللغةالأخذة. فالاقتراض يثير اللغة المقترضة بما تحتاج إليه من الألفاظوالأساليب وبها تنمو اللغة وتتسع دائرتها ف عيب للغة في اقتراض الألفاظالأجنبية عنها إليها لأن قدرة لغة ما على استيعاب الكلام الأجنبي وتجنيسة تعد ميزة وخصيصة لها، إذا هي صاغته على أوزانها وأنزالته على أحكامها وجعلته جزءا لايتجزءا من عناصر التعبير فيها.
        وتستند نسبة الألفاظ المقترضة في لغة ما إلى مستوى الاحتكاك وعمق الاتصال الثقافي والحضاري بين اللغتين الآخذة والمعطية. ويدل ارتفاع نسبة الألفاظ المقترضة على عمق التواصل والتعاون كما يشير إلى درجة اعتماد الللغة الآخذة على اللغة المعطية ةإلى كثرة الظروف والمجالات التي تستلزم الاقتراض.
ج‌.  طرق الاقتراض اللغوي
1.   أن تأخذ اللغة الآخذة من اللغة المعطية الكلمة وتخضعها لقوانينها الصيغية والصرفية، وتسمى هذه العملية بالاقتراض المعدل.[18] مثال كلمة رادار التي اقترضتها العربية من radar الإنجليزية.
2.   أن تترجم اللغة الآخذة وحدات الكلمات المقترضة ترجمة حرفية إلى كلمة وطنية. مثل التعبير الاصطلاحي الإندونيسي Bermandi keringat فهو ترجمة مقترضة من التعبير الاصطلاحي العربي تصبّب عرقا.
3.   قد يتم الاقتراض بمزج كلمتين من أصلين مختلفين وجعلها كلمة واحدة وهذا يسمى بالتداخل Contamination أو المزج Blending مثال امتزجت الكلمة الجرمانية Hoch باللاتينية Alcumx (كلا اللفظين معناه عال) لتكون الكلمة الفرنسية القديمة Halt التي أصبحت فيما بعد Haut.[19]
4.   قد يحدث في قليل من الحالات أن يبقى اللفظ المستعار على حاله دون تغيير في أصواته أو صيغه ولايتم هذا في اغلب الأحيان إلا حين يثق المستعير بقدرته على نطق اللغة الأجنبية، وحين يرغب في إظهار مهاراته بين أفراد بيئته. مثل كلمة Sholat التي اقترضتها اللغة الإندونيسية من كلمة "صلاة" العربية.
5.   قد تقترض الكلمة فيترجم جزء منها إلى اللغة المقترضة ويبقى الجزء الآخر، وتسمى هذه العملية باقتراض مهجن. مثال ذلك صوتيم المأخوذة من Phoneme وصرفيم المأخوذة من Morpheme.
6.   وهناك بعض اللغات النادرة التي تلجأ إلى وصف الكلمة الأجنبية بدلا من ترجمتها أو اقتراضها في شكلها الأصلي. مثل اللغات الهندية الأمريكية التي تصف الكلمة Telephoning بكلمات Little Wire Speech أي كلام سلمي قليل.[20]
بعض الأسباب التي يرجع إليها اقتراض لغة معينة من لغة أخرى :
1.   سد حاجة اللغة المقترضة إلى تغطية قصور المفردات. مثل كلمة Akhirat (آخرة)، Halal (حلال)، Haram (حرام)، Makhluq (مخلوق)، Kurban (قربان) وما إلى ذلك.[21]
2.   ميل أصحاب اللغة المقترضة إلى الترف التعبيري والتفاحر بلغة أخرى. مثل كلمة Sholat (صلاة)، Silaturrahmi (صلة الرحم)، Ibadah (عبادة)، Allah (الله) وما إلى ذلك.
3.   سد حاجة اللغة المقترضة إلى توفير مفهوم معاني المفردات. مثل كلمة Iman (إيمان) بدلا من الكلمة Percaya التي تقابلها الثقة في اللغة العربية، وكلمة Taqwa (تقوى) بدلا من من الكلمة Takut التي تعني الخوف في اللغة العربية.
4.   سد حاجة اللغة المقترضة إلى مصطلحات معينة. مثل كلمة Sahabat (صحابة) تُستعمَل في أول الأمر للدلالة على صحابة رسول الله ثم يشيع استعمالها وأصبحت للدلالة على صحابة بوجه عام "هو صحابتي" مثلا وكلمة wajib (واجب) للدلالة على حكم من أحكام الدين والآن أصبحت غير أحكام الدين "وجب عليك الحضور" وما إلى ذلك.

د‌.     مفهوم التعريب
لم يترك العرب الكلمات التي اقترضوها على حالها في اللغة الأجنبية بل كانوا يخضعونها لنمط التركيب اللغوي العربي فيهذبون من أطرافها ويغيّرون بعض حرفها، كما يبدلون موضوع الذبر فيها، لكي تصبخ على صورة شبيهة بالكلمات العرابية. فالتعريب هو إخضاع اللفظ الأجنبي المقترض لنظام الكلمات العرابية وبنائها.

والتعريب ضرورة عملية وإجتماعية متجددة، وهو يترتب على الإتصال والإجتماعي بمظاهرة المختلفة: من ثقافة أو تجارة أو حروب أو إستعمار أو إنتقال للعادات والتقليد. ويتوفق مدى شيوع الكلمات المعربة على العرف اللغوي في البيئة التي إنتقل إليها. 

وقد عرف التعريب قديما في اللغة العرابيّة، ففي العصر الجاهلي عرفت العرابية الكلمات المعربة، كما وردت بالقرآن الكريم كلمات معربة، مما يدل على شيوعها بين العرب قبل الإسلام، ونبه سيجويه في (الكتاب) إلى بعض الكلمات الأعجمية، وتحدث أيضا عن المعرب، وكيفية التعريب في موضوعين من كتابه.[22]
وبعد الفتوح الإسلامية، وانتشار الإسلام في الآفاق، كثر احتكاك العرب بغيرهم من أبناء الأمصار، مما انعكس على حياتهم العامة ولغتهم المتداولة، فأدخل كثيرا من الكلمات الأعجمية في اللغة العرابية، وخاصة في مجال المحسوسات، مثل الأطعمة والآنية والملبوسات.

وفي العصر العباسي اتسع نشاط الثقافة العرابية تأليفا وترجمة، فواجه العرب موفقا لغويا جديدا أسد حاجتهم إلى متطالبات التأليف والترجمة فتصرفوا في مدلول بعض الكلمات العرابية الأصل، وحولوا معناها اللغوي إلى معنى اصطلاحي، كما نقلوا بعض الألفاظ الأعجمية إلى اللغة العرابية، فازدادت بذلك حركة التعريب. وكان علماء اللغة يشيرون إلى الكلمات الأعجمية الأصل وينبهون إلى أنّها دخلية على العرابية.

أما في العصر الحديث فقد زالت الحاجة إلى التعريب، نظرا لإنفجار المعرفة والثورة العلمية والتقنية، مما ساعد على زيادة استخدام المصطلحات الحضارية والعلمية. وقد أقر مجمع اللغة العرابية بالقاهرة لحاجة الماسة إلى التعريب وغيره من وسائل تنمية الثورة اللغوية عند نقل تلك المصطلحات العلمية إلى العرابية، إلّا أنه قيد التعريب بالضرورة، حرصا على اللغة العرابية، لغة القران الكريم والتراث الأدبى، حتى لا يفقد طبائعها وخصائصها، وتضيع في خضم أمواج تيار الألفاظ الأجنبية. ولهذا قفد أجاز المجمع استعمال بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة بعد تعريبها على طريقة العرب.

ولا ضير للتعريب كما يقول الأمير مصطفى الشهابى كلما موت الحاجة إليه، وكلما تعذر العثور على كلمة عربية تقابل الكلمات الأجنبية، أو تعذر إيجاد كلمة عربية تفيد معناها بوسائل الإشقاق المعروفة[23]. أو كما يقول محمد هيثم الخياط حين تكون الكلمات العرابية الأصلية المقترحة أشدّ عجمية من الكلمات الدخلية، أو يكون اللفظ من الألفاظ التي اكتسبت صفة العالمية بدخوله كما في لغات العالم أو جلها[24].

وكان لمجمع اللغة العرابية بالقاهرة موقفا من مصطلحات الحضارة، قد مال إلى أن يسجل ما شاع من هذه الألفاظ، ويجمعها من مظانها، ثم يهذبها ويقر منها ما يرتضيه، وما لا سبيل إلى إقراره يدعه للزمن، لكي يصلح من شأنه، ويقوم من عوجه.

وقد كرست للمجامع العرابية جهودا كبيرة لخدمة المصطلحات العلمية، وذلك إيمانا منها بأن هذا الموقف يؤدي إلى تطوير اللغة للوفاء بحاجات العالم، والمتطالبات العصرية المختلفة مما يدخل ضمن أهداف المجامع ولمعاونة العلماء والباحثين على التأليف العلمي باللغة العرابية حتى يمكن السير في طريق تعريب العلم، والدراسة العلمية باللغة العرابية.

وقدد رأى بعض العلماء أن التعريب مقصورا على ما ورد في عصور الإستشهاد اللغوي. أما ما ورد بعد عصر الإحتجاج من الكلمات ذات الأصل الأعجمي فيسمى مولدا. كما أكدّ أنّ المعرب الصحيح لا يزيد عدده في اللغة على ألف كلمة، وقلته دليل على اقتصاره على السماع[25]، ولا يجوز لمولدين أن يعربوا كالقدماء. وقد يكون تبني أولئك العلماء لهذا الموقف راجعا إلى خشيتهم من طغيان الكلمات الأعجمية على الفصحي.

ولكن مجمع اللغة العرابية بالقاهرة أقر كثيرا من الألفاظ المعربة في المصطلحات المختلفة التي عالجها، كما أباح الإشتقاق من هذه الكلمات، فشاع استخدام الألفاظ المعربة في المصطلحات، وزوال الحرج من المواقف على معربات لم يقرها العراب الأقدمون.

وقد اتفق العلماء أعضاء هذا المجمع الذي يضمّ علماء اللغة البارزين من مختلف الجنسيات على ضرورة تنمية الثورة اللغوية العربية، وتطويعها لأداء المتطالبات الفكرية والحضارية للعرب في العصر الحديث، وكذلك على صحة استعمال مصطلحات العلوم العرابية القديمة، على الرغم من أنها مولدة، كما اتفق علماء المجمع أيضا على قبول الأساليب المولدة، مادامت خاضعة لتراكيب الجمل العرابية.
ه‌.   صور التعريب
        إنتهجت الغة العرابية نهجا معينا في تعريب الألفاظ الأعجمية وقد استخاصه رمضان عبد التواب فيما يلي :
1.   إيدال الأصوات التي ليست من أصوات العرب، إلى أقربها مخرجا، لئلّا يدخل في كلامهم ما ليس من أصواتهم. فيما غيّروه من الأصوات : ماكان بين الجيم والكاف أو/g/، وربما غيروه كافا، وربّما غيّروه جيما، وربما غيروه قافا، وأبدلوا الحرف الذي بين الباء والفاء أو /p/ فاء وقد يبدلوه باء
2.   تغيير بناء الكلمة إلى أبنية العربية. فمما ألحقوه بأبنيتهم: درهم ألحقوه بهِجرع.
3.   ترك اللفظ الأعجمي على حاله، إذا كان مواقفا لمنهج العرابية في الأصوات والصيغ، أو بنية الكلمات.

وقد ذكر الإمام السيوطى علامات يعرف بها الألفاظ المعربة في اللغة العربية استنتجها من مقارنة نسج الألفاظ العربية بنسج هذه الألفاظ المعربة وهي[26] :
1.   النقل بأن ينقل ذلك أحد أئمة العربية
2.   خروجها عن أوزن الأسماء العربية نحو إِيْرَيْسَم، فإن مثل هذا الوزن مفقود في أبنية الأسماء في اللسان العربي
3.   أن يكون أولها نون ثمّ راء نحو نَرْجَس، فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية
4.   أن يكون آخرها زاى بعد دال نحو المهندز. فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية
5.   إجتماع الصاد والجيم نحو الصولجان، والجصّ
6.   خلوّ الكلمات الرباعية والخماسية من حروف الذلاقة وهي الباء والراء والفاء والميم والنون، نحو عقجش. فإنه متى كانت عربية فلا بد أن يكون فيها شيئ منها، نحو سَفَرْجل، جحمرش.

وقد يشيع استعمال بعض الألفاظ الأجنبية الدخلية إلى اللغة العربية حتى تتوارى إلى جانبها الألفاظ العربية الأصلية ويندر استعماله. ومن أمثلة ذلك استعمال العرب "الإبريق" مكان "التامورة"، و"الميزاب" مكان "المثعب"، و"المسك" مكان "المشموم"، و"الجاسوس" مكان "الناطس"، و"الياسمين" مكان "السّمسق" و"الباذنجان" مكان "الحدج"، و"الرصاص" مكان "الصرفان"[27].

ومن أمثلة الألفاظ الرومية المعرّبة الفردوس أي البستان، والقسطاس أي الميزان، والقنطار أي اثنا عشر ألف أوقية، والقسطال أي الغبار، وقومس أي الأمير، والإسفنط وهو ضرب من الخمر.

ومن أمثلة الألفاظ السريانية المعربة فلج من فالغا أي الفقير، والتأمور أي موضوع السر، والدربخة أي الإصغاء إلى الشيء. ومن أمثلة الألفاظ الفارسية االمعربة البستان، والبهرمان أي لون أحمر، والقرمز أي دود يصبغ به، والقير وأن أي الجماعة وأصله كاروان، والسراويل، والبطّ أي الطائر المعروف، والجاموس، والمغنطيس، وللصولجان.

ومن أمثلة الألفاظ النبطية المعربة  الصيّق أي الغبار وأصله صديقا، والجداد أي الخيوط  المعقدة وأصله كداد. ومن أمثلة الألفاظ الجشية المعربة الهرج أي القتل. ومن أمثلة الألفاظ الهندية المعربة الإهلِيْناَج[28]. ومن أمثلة الألفاظ اليونانية المعربة فلسفة، وترياق، وقولنج أي نوع من المرض، قبرس أي أجواد النحاس. ومن أمثلة الألفاظ اللاتينية المعربة بلاط، وامبر اطور، ودوق، وكونت، وقنصل، وبارحة، وبوق، وكردوسة أي طائفة من الخيل[29].

ومن أمثلة الألفاظ الأجنبية المعاصرة المعربة السينما، والتّلفون، والتلفزيون أو التلفاز، والتلغراف، ورادار،و المورفيم، والألوفون، والسجارة، واستوديو، وبوتيك وما إلى ذلك، غير أن بعض اللغويين العرب أطلقوا على مثل هذه الألفاظ اسم "التغريب" أي نقل اللفظ أو التعبير الأجنبي إلى العربية كما هو في لغته بغير تغيير َدون أن تكون اللغة في حاجة إليه[30].

هذا وقد عامت العرب الألفاظ المعربة معاملة الألفاظ العربية في الإشتقاق منها فمثلا كلمة "لجام" اشتق منها العربية ألجم تلجم والفرس ملجم ومثل "تلفون" اشتق منها في العربية تلفن، ومثل "تلفيزيون" اشتق منها في العربية تلفز وتلفزة، وكذلك قد تعرّف تلك الألفاظ، وتضاف ويضاف إليها، وتثنى وتجمع، وتذكر وتؤنث وفق أوزان العرب وقوالبها.

الخلاصة
1.   إن التبادل اللغوي أمر بديهي لايحتاج إلى دليل لوضوح الصلات الثقافية بين الأمم تاريخيا.
2.   أن الاقتراض اللغوي هو عملية أخد إحدى اللغات بعض العناصر اللغوية من لغة أخرى وتلك العناصر قد تكون أصواتا، أو كلمات أو صيغا.
3.   فالتعريب هو إخضاع اللفظ الأجنبي المقترض لنظام الكلمات العرابية وبنائها.


المراجع

-       الكرملي، نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها، القاهرة، المطبعة العصرية، د ت.
-       إبراهيم أنيس، من أسرر اللغة، القاهرة مكتبة الأنجلو المصرية، 1971
-       Bloomfield, Language, Unmim University Book, Great Britain 1987. P
-       إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، بيروت، دار إحياء التراث العربي ج 2
-       صبحي صالح ، دراسات في فقة اللغة، بيروت، ط 2
-       سميح ابو مغلي، الكلام المعرب في قواميس العرب، بيروت، دار الفكر ، 1998
-       رمزي منير بعلبكي، معجم المصطلحات اللغوية، إنكليزي – عربي، بيروت، مكتبة لبنان 1997 م



[1] الكرملي، نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها، القاهرة، المطبعة العصرية، د ت ص 99.
[2] إبراهيم أنيس، من أسرر اللغة، القاهرة مكتبة الأنجلو المصرية، 1971 ، ص 101
[3]  Bloomfield, Language, Unmim University Book, Great Britain 1987. p
[4]  إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، بيروت، دار إحياء التراث العربي ج 2 ص 733
[5] الكرملي، نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها، القاهرة، المطبعة العصرية، د ت ص 99.
[6] إبراهيم أنيس، من أسرر اللغة، القاهرة مكتبة الأنجلو المصرية، 1971 ، ص 101
[7]. صبحي صالح، دراسات في فقة اللغة، بيروت، ط 2، 1962 ص 366
[8]  Bloomfield, Language, Unmim University Book, Great Britain 1987. p
[9]  إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، بيروت، دار إحياء التراث العربي ج 2 ص 733
[10] سميح ابو مغلي، الكلام المعرب في قواميس العرب، بيروت، دار الفكر ، 1998 ، ص 8.
[11]  رمزي منير بعلبكي، معجم المصطلحات اللغوية، إنكليزي – عربي، بيروت، مكتبة لبنان 1997 م، ص 75
[12]  محمد علي الخولي، الحياة مع لغتين ص 95
[13]  مقتبس عن عبد الرازق حسن محمد، المرجع السابق ص 66
[14]  المرجع السابق ص 67
[15] . عون الشريف قاسم ، محاضرة في الدخيل قي اللغة العربية ، الخرطوم ، معهد الخرطوم الدولي للغة العربية ،2000م، ص 20.
[16] . عبد المنعم محمد الاروري ، التعريب في ضوء علم اللغة المعاصر ، الخرطوم ، دار جامعة للخرطوم ، 1987 / ص 31.
[17] . إبراهيم أنيس ، من أسرر اللغة ، القاهرة مكتبة الأنجلو المصرية، 1971 ، ص117.
[18] محمد على الخولي، الحياة مع لغتين،  المرجع السابق ص 96
[19] ماريوباي، أسس علم اللغة، القاهرة، دار عالم الكتب، دت، ص 157
[20]  Falk S. Julia, Linguistic and Language, John Uniley and Son, 2nd Edition, 1978, p 56
[21]  مهيبان، دور اللغة العربية في تكوين المفردات الإندونيسية، مجلة الجامعة، المجلد 41 العدد 2، جامعة سونن كليجاكا الإسلامية، يوكياكرتا، 2003 م، ص 431
[22]  سيبويه، أبو البشر، الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، ط 2، 1982، الجزء الثاني ص 213، 229، 235، والجزء الرابع ص 303، 305 باب ما اعرب من الأعجمية.
[23]  الأمير مصطفى الشهلبي، المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث، دمشق، مجمع اللغة العربية 1965 ص 19
[24]  محمد هيثم الخياط، في سبيل العربية، المنصورة، دار الوفاء 1997 ص 88
[25]  مدكور إبراهيم، مجمع اللغة العربية في ثلاثين عاما – ماضيه وحاضره، القاهرة، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية 1964 ص 59-60
[26]  رمضان عبد التواب، المرجع السابق ص 364
[27]  عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، المرجع السابق ص 283-284 باختصار
[28]  المرجع السابق ص 280-284
[29]  عبد المنعم محمد الحسن الكاروري، المرجع السابق ص 48
[30]  كمال بشر، التغريب في اللغة والثقافة، القاهرة، مجلة مجمع اللغة العربية ج 60 – مايو 1987 ص 186

No comments:
Write komentar